حيدر حب الله

255

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

ولهذا ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد من قول الزور هنا هو تلبية أهل الجاهلية والتي تعدّ شركاً ، حيث كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك « 1 » . المشكلة الثانية : إنّ سياق الآيات الكريمة هنا يساعد على ما افترضناه من تفسير لها ، فالآية تقع في سياق آيات الحج ، ولو لاحظناها بأكملها ثم لاحظنا الآية اللاحقة لها المرتبطة - إعرابياً - بها سنجد ما يلي : قال تعالى : ( ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ) ( الحج : 30 - 31 ) . وهذا يعني أنّ الآية تأمر - في سياق سلسلة من آيات الحج - باجتناب الأوثان وقول الزور ، والعرب كانت تلطّخ دم الذبيحة بالأوثان ، وتُطلق التلبية الشركيّة وغيرها ، ولهذا لاحظنا أنّ الآية اللاحقة قالت : ( حُنَفاءَ لِلَّهِ ) ، نصباً على الحال ، أي اجتنبوا الأوثان وقول الزور حال كونكم حنفاء لله غير مشركين به ، وهذا يعطي أنّ المراد هو شيء متصل بالشرك ، فيتعزّز احتمال أنّ المراد بهذه الآية النهي عن الظواهر الشركيّة في الحج ، وإصلاحّ الحج دينياً . وبناءً عليه ، فإذا أراد المفسّر أو الفقيه تخطّي هذا السياق ، ليأخذ كلمة : ( قول الزور ) لوحدها بوصفها قاعدة عامة والحجّ أحد مصاديقها ، إذا أمكنه ذلك لم يمكنه إلا أن يجعل النهي عن ارتكاب قول الزور مثل الغناء أو الكذب أو الشهادة الباطلة

--> ( 1 ) راجع : الطبرسي ، جوامع الجامع 2 : 558 ؛ ومجمع البيان 7 : 148 .